يا ليتَ دمعيَ بعدَ البينِ كالمَطَرِ
حتّى تُقَدِّرَهُ عيني علَى قَدَرِ
ما زالَ يُسكَبُ لا يُرجَى تَكَفْكُفُهُ
علَى الذينَ تَوَلَّوْا دونما خَبَرِ
كأنّني حينما بَانَتْ رواحِلُهُمْ
خَرَجْتُ مِنْ جنّةِ المأْوَى إلى سَقَرِ
يا ليتَهم هَجَرُوني ضارِبِي أَجَلٍ
أو ليتَهم هَجَرُوني تارِكِي أَثَرِ
لا أستعيضُ بشمسٍ عنْ وجوهِكُمُ
ولا تُسَلِّي فؤادي صورةُ القَمَرِ
كيفَ احتملتُمْ فِراقي، كنتُ أَحسَبُكمْ
ذَوِي قلوبٍ متّى تَأْتِ النّوى تَبُرِ
وكنتُ أحسبُكمْ منهُ علَى حَذَرٍ
أكنتمُ مِنهُ أمْ مِنّي علَى حَذَرِ ؟!
لا عُذْرَ في الحُبِّ، قد يُلقِي المَلامَ علَى
مَنْ كانَ منكمْ مريضًا أو علَى سَفَرِ
ما الذنبُ ذنبيَ إنَّ الذنبَ ذنبُكُمُ
حينَ اصطَبَرتُمْ وقلبي غيرُ مُصطَبِرِ
بي فطرةُ اللهِ مِنْ شَوْقٍ ومِنْ كَلَفٍ
يا مَنْ مُسِخْتُمْ تماثيلًا مِنَ الحَجَرِ
يا لائمي في غرامٍ كادَ يقتلُني
أشكُّ أنّكَ معدودٌ مِنَ البَشَرِ
فلا تَلُمني على ما لو فُجِعتَ به
لمْ تُبْقِ بَعدَكَ مِن سُخطٍ على قَدَرِ
كفاكَ أنّي امرؤٌ ضاعَتْ شَبِيبتُهُ
قبلَ الثلاثينَ يحيا أرذلَ العُمُرِ
مُنَكَّسُ الروحِ دونَ الرأسِ مُكتَئبٌ
عيناهُ بحرانِ مِنْ حُزنٍ ومِنْ ضَجَرِ
إذا أَتْتْهُ كنوزُ الأرضِ خاضعةً
مَضَى وما نِلْنَ مِنهُ لَذّةَ النَّظَرِ
لم يزهدِ العيشَ عنْ تقوى ولا ورعٍ
إلّا كما استَيْأَسَ الأعمَى مِنَ البَصَرِ
أوشكتُ أنْ أُسْلَبَ الأنفاسَ مُنتَحِرًا
مِمّا أُكابِدُهُ أو غيرَ مُنتَحِرِ
حتّى لَمَحتُ بسوريّا سَنَا أَمَلٍ
أعادَ لي ثِقَةَ الأحرارِ بالظَّفَرِ
مِنْ أحمدِ الشرعِ شَبَّ الحربَ مُدَّرِعًا
عزمًا وحزمًا علَى جِسْرٍ مِنَ الخَطَرِ
كالفهدِ مُستَبِقًا والحُوتِ مُلتَقِمًا
والدهرِ مُنتَقِمًا مِنْ بعدِ مُصطَبَرِ
استدرَجَ القومَ حتّى قالَ قائلُهم:
ما لِلرِّماحِ إلى الجوزاءِ مِنْ سَفَرِ
فَهَبَّ في غفلةٍ منهمْ فأَرجَعَهُمْ
إلى مَنَازِلِهِمْ في أخبثِ الحُفَرِ
رِيعُوا قُبَيْلَ اشْتِباكِ الجَحفَلَينِ ومَنْ
تُسْلَلْ عليه سيوفُ الحَقِّ يَنزَجِرِ
سُرعانَ ما انْقَضَتِ الهيجاءُ مُعلِنَةً
مَفَازَهُ بفِرَارِ الحاكِمِ القَذِرِ
لا تسألنَّ علَى دربِ الهُدَى أَحَدًا
بِأيُّ دربٍ تَرَى فيه خُطاهُ سِرِ
ما وعدُ أحمدَ والدنيا تحاربُهُ
إلّا كبرقٍ تَجَلَّى صادقَ المَطَرِ
ولا نُبالِغُ إنْ قُلنا فِراسَتُهُ
تَسْعَى بعَيْنَيْنِ في غَيبٍ مِنَ الفِكَرِ
بعضُ الغُيُوبِ يُجَلِّيها تَأَمُّلُها
وبعضُها في صَرِيحِ الوحيِ والزُّبُرِ
رئيسُ هيئةِ تحريرٍ العبادِ مِنَ ال
خذلانِ والشَرِّ والأحزانِ والكَدَرِ
أكرمْ بها هيئةً لِلشامِ ما بَرِحَتْ
تجبرُ كسرًا وتعفو عندَ مُقْتَدَرِ
وتُرجِعُ الحَقَّ لِلمظلومِ فهْوَ بها
في مَأْمِنٍ ومَعاشٍ هانئٍ نَضِرِ
مَنْ قالَ كلُّ دمٍ في ثورةٍ هَدَرٌ
فلْيَخْرَسِ اليومَ ما مِنْ دمعةٍ هَدَرِ
إنْ صَحَّ ظنّي وما ظنّي بمُلتَبِسٍ
عليَّ يومًا وما قلبي بمُعتَكِرِ
آنستُ ذِكرَكَ في القرآنِ مُشتَمِلًا
عليكَ مِنْ دونِ تصريحٍ مِنَ السُّوَرِ
أمَا اتّبَعتَ بإحسانٍ مَنِ اسْتَبَقُوا
إلَى الفَلَاحِ فلم تَظلِمْ ولمْ تَجُرِ ؟!
وقد ظَفَرتَ بتوحِيدَيْنِ خيرُهما
توحيدُ ربِّكِ قبلَ الصَفِّ والأُطُرِ
وما انتصرتَ بإطلاقِ الجحيمِ ولا
بكَثْرَةٍ تضربُ الأعداءَ بالذُّعَرِ
لكنْ تَبَصَّرتَ حتّى ما انتَقَيْتَ سِوَى
مُجَرَّبٍ كَلِفٍ بالموتِ مُختَبَرِ
يودُّ لو كُرِّرَتْ دهرًا شهادَتُهُ
والحُسْنُ يُغرِي سهادَ العينِ بالسَّهَرِ
أراكَ أهلًا لمجدٍ عزَّ مُدرِكُهُ
يُحِيلُ كلَّ فخورٍ غيرَ مُفتَخِرِ
وأنتَ وَحْدَكَ دونَ الناسِ كُلِّهِمِ
بالنصرِ والمجدِ والشكرِ الجزيلِ حَرِي
وما امتدحتُكَ كي أُعطَى وكمْ لَسِنٍ
بأبحرِ الشعرِ في بحرٍ مِنَ الدُّرَرِ
أصاحِبُ الحقَّ ما أبصرتُهُ وفمي
عمّا بقلبي مُبينٌ غيرُ مُحتَذِرِ
وإنْ تَبَيَّنَ لي ما لا أُسَرُّ به
صاحَتْ قوافيَّ بالإنكارِ والنُّذُرِ
لكنَّ أفعالَكَ اللاتي شَغَفْتُ بها
لمْ تُبْقِ غيرَكَ في قلبي ولم تَذَرِ