قِفْ بالديارِ الدَّارِساتِ أوِ اجْلِسِ
ما مُيِّزَتْ إلّا بِشِقِّ الأنفُسِ
آنستُ فِيها مَعلَمًا فكأنّني
آنستُ نارًا في مَتَاهَةِ حِندِسِ
أينَ الذينَ عليكِ جارَ فِرَاقُهُمْ ؟!
إنّي أُعِيذُكِ بالهوى أنْ تَخْرَسِي
لا تَسْأَلنّي بعدَ عِيِّ جوابِها
أَرَأَيتَها دَرَسَتْ وَلَمَّا أَدرُسِ؟!
فَأَرِحْ دموعَكَ ربّما يَشْقَى الفتى
مِنْ دمعةٍ حُبِسَتْ كأنْ لم تُحبَسِ
ستزولُ وَحشَتُنا مَعًا وَسَيَشْتَفِي
مُسْتَيْئِسٌ يشكو إلى مُسْتَيْئِسِ
كَشِكَايةِ الغَزِّيِّ لِلغَزِّيِّ، مَنْ
يَرَ رُزْءَهُ في غيرِهِ يستأنِسِ
أَعظِمْ بشَعبٍ ما يزالُ بقاؤهُ
مِنْ جُودِ معدومٍ وعِفَّةِ مُفلِسِ!!
لا يَبْذُلونَ سِوَى النُّفُوسِ لِأنّهمْ
لا يَقنَعُونَ سِوَى بِبَذْلِ الأنْفَسِ
كيفَ استحالَ الأَكرَمُونَ فَرَائسًا
لِأَصابِعٍ تلهو بزَندِ مُسَدَّسِ ؟!
وغَدَا رجاؤهُمُ انْدِفانَهُمُ فكمْ
مُستشهِدٍ مُتَمَزِّقٍ لَمْ يُرمَسِ!!
دُسَّتْ لهم بعضُ السُّمُومِ فأُشْرِبَتْ
مكرًا وأخرَى جُرِّعَتْ لمْ تُدسَسِ
وتَوَجَّسُوا حتّى اطمَأنُّوا لِلرَّدَى
لم يبقَ بعدَ الذُّعرِ مِنْ مُتَوَجَّسِ
العارُ كُلُّ العارِ تَركُهُمُ بلا
مأوًى وماءٍ في طُلُولٍ دُرَّسِ
مُتَشَوِّقِينَ إلَى بَقِيَّةِ آكِلٍ
تَنفِي المَخَامِصَ أو بَقِيَّةِ مُحتَسِ
ولربُّما رجَعَوا بخُبْزٍ كالحَصَى
مُتَحَجِّرٍ بِدَمِ الشهيدِ مُغمَّسِ
ما غُصَّةُ الخُذلانِ إلّا قِتلةٌ
مِنْ قاتلٍ لا يُتَّقَى مُتَمَرِّسِ
تَبَّتْ يَدَا مُستنكِرٍ بلسانِه
يَقْوَى علَى الفعلِ الأشَدِّ الأَشرَسِ
يَرمِي الكَلامَ علَى جَرِيحِي غَزَّةٍ
كحِجارَةٍ مَلفُوفَةٍ في سُنْدُسِ
إنّ الرصاصةَ مُسِّحَتْ في جِيفَةٍ
مثلُ الرصاصةِ مُسِّحَتْ في نَرجِسِ
قد أُلبِسُوا نارًا حُرِقْتُ بها وما
زِلْنا كذلكَ يَكْتَسُونَ فأَكْتَسِي
أَسَرَى الجحيمُ بجَوِّ غزّةَ وحدَها
كَلَفًا بطِيبِ نسيمِها المُتَنَفَّسِ ؟!
وقذيقةٍ صُمَّتْ مسامِعُهُمْ بها
شُغِفَتْ بِحَمْلَقَةِ العُيُونِ النُّعَّسِ
فكأنَّ أهوالَ القيامةِ عُجِّلَتْ
إلّا مُكُوثَ الشمسِ فوقَ الأَرؤسِ
والعالَمُ العربيُّ ليسَ بآسِفٍ
لو دُكَّ بينَ يديهِ بيتُ المَقْدِسِ
يا مصرُ سوفَ تُباشِرِينَ مُصابَهمْ
فتَمَيَّسِي ما شئتِ أنْ تَتَمَيَّسِي
عونًا لِشَعبٍ لا يَرُومُ سِوَاكِ لا
عونًا لِحِزبٍ أو فتًى مُتَحَمِّسِ
في ذلكِ الهَرْجِ الذي مَلَأَ الدُّنَى
ما غايةُ الإحسانِ إلّا أنْ أُسِي
وتبايَنَتْ عندَ الوَغَى أقدارُنا
شَتَّانَ بينَ مُذَهَّبٍ ومُنَحَّسِ
أَنصَفتُ ما حَقَّرتُ غيرَ مُحَقَّرٍ
يومًا وما قَدَّستُ غيرَ مُقَدَّسِ
إنّ الكرامةَ في النُّفُوسِ ولو غَدَتْ
أجسادُها في ذلَّةٍ وتَنَكُّسِ
ومُكَرَّمٍ ما هانَ إلّا جِسمُهُ
ومَقامُهُ فوقَ الجَوَاري الكُنَّسِ !!
فاحَ الشَّذَا بدَمِ الشهيدِ فأَشْرَقَتْ
مُهَجُ الأَحِبَّةِ مِنْ خِلالِ المَعطِسِ
سَدَّسْتُ خَمْسَ حَواسٍ اقْتَرَنَتْ بهم
إذ بُصِّرُوا ولَعَنتُ كُلَّ مُخَمِّسِ
وإذا تَعَرَّقَ مجلسٌ جَلَسُوا به
أدركتُ أنّهمُ شموسُ المجلسِ
عجبًا لهمْ لم يَيْأَسُوا ومَنِ ارتَأَى
أرزاءَهم يُقْتَلْ بها أو ييأْسِ!!
يا ليتَنا خِفْنا الكُمَاةَ ولم نَخَفْ
مِنْ خائفٍ مِنْ خَيلِهِ مُتَفَرِّسِ
أجِدُ العُرُوبةَ تَنمَحِي إذ لم تُرَعْ
بِتَفَرُّقٍ فيهِ الهلاكُ مُسَيَّسِ
مَنْ لِلَّذي في حُوتِ يُونُسَ بعدما
فَقَدَ التُّقَى وأضاعَ دعوةَ يُونُسِ؟!